
هذه سردية لتجربة شخصية تمت إزالة بياناتها التعريفية وإجراء تقييم للمخاطر وترتيب لغوي لها؛ ولا يحتفظ النص بهوية المؤلف الأصلية أو منطقته أو أي تفاصيل يمكن التعرف من خلالها.
لا يشرب فيتألم، ويشرب فيتألم أكثر، وفي النهاية كان يبكي ويشرب في نفس الوقت
رأيت قريبًا لي تغيّر تمامًا بسبب الشرب. كان في السابق شخصًا هادئ الطباع، يتحدث ببطء وروية، لكنه في ما بعد، ما إن يلمس الخمر حتى يصبح سريع الغضب، يرمي الأشياء ويشتم دون تردد. ظننا في البداية أن السبب مجرد ضغوط نفسية، فنصحناه بتقليل الشرب، لكنه كان يرد دائمًا: "إن لم أشرب فأنا أتألم".
في ما بعد أدركت أن ذلك الألم ليس مجرد شغف عادي بالخمر. لقد وصف لنا ذلك الشعور: عندما لا يشرب، يشعر وكأن النمل يزحف في صدره، فلا يستقر له قرار، وترتجف يداه حتى إنه لا يستطيع حمل الكأس بثبات؛ وعندما يشرب رشفة، يهدأ مؤقتًا، لكنه سرعان ما يعود ليتألم من جديد، فيواصل الشرب. وفي النهاية، أصبح يشرب من الصباح إلى المساء، يبكي ويشرب في الوقت نفسه، ولا يستطيع التوقف. كان يقول إنه يعلم أن هذا خطأ، لكنه لا يملك السيطرة على نفسه.
تلك الحالة كانت كأن شيئًا ما قد استحوذ عليه، فأصبح سلوكه وإرادته خارجين عن سيطرة العقل. وفي الحالات الشديدة، ظهرت عليه علامات خطر تتطلب طلب المساعدة فورًا — مثل فقدان الوعي والهذيان. عندها فقط أدركنا أن هذا ليس مجرد "إدمان خمر" بسيط، بل هو مرض.
الإدمان لا يقتصر على الخمر؛ فأي مادة أو سلوك يُستخدم لتنظيم المزاج قد يسبب الإدمان
بعد الاطلاع على المعلومات واستشارة الأطباء، أدركنا أن الإدمان لا يقتصر على التعلق بالتبغ أو الكحول. فأي مادة أو سلوك يُستخدم لتنظيم الحالة المزاجية قد يسبب الإدمان. فمثلًا، بعض الناس يدمنون ألعاب الفيديو، فلا يطيقون يومًا دون لعب، مع علمهم بأن ذلك مضر، لكنهم لا يستطيعون السيطرة على أنفسهم، وهم يعيشون بين المتعة والألم في آن واحد.
في الحياة اليومية، قد يشرب معظم الناس كميات قليلة من الخمر للمتعة دون أن يؤثر ذلك على حياتهم. لكن هناك بالفعل فئة من الناس يعانون من مشاكل متعددة بعد الإفراط في الشرب لفترات طويلة. يريدون الإقلاع عن الخمر لكنهم يجدون صعوبة بالغة، بل وقد يعانون من القلق والاكتئاب والأرق وغيرها من الأعراض المزعجة، وكلما زاد ألمهم زادت رغبتهم في تخفيفه بالشرب، وهكذا تدور حلقة مفرغة.
حالة قريبي كانت كذلك تمامًا. في البداية كان يشرب قليلًا في المناسبات الاجتماعية فقط، ثم أصبح يشرب يوميًا، وفي ما بعد أصبح أول ما يفعله عند الاستيقاظ هو البحث عن الخمر. أصبحت حالته المزاجية متقلبة للغاية، حتى إن أفراد العائلة كانوا يتحدثون معه بحذر شديد خوفًا من إغضابه. كانت العائلة كلها تعيش في جو مشحون بالتوتر، لا يعرفون متى ستندلع الأزمة التالية.
إدمان الكحول لا يؤثر على سلوك الشرب فحسب، بل يهدد الصحة النفسية والجسدية
أخبرنا الطبيب أن إدمان الكحول يظهر عادة في جانبين: نفسي وجسدي. نفسيًا، يشعر المريض برغبة قوية لا تُقاوم في الشرب، ولا يستطيع التحكم في كمية وتكرار الشرب؛ وجسديًا، بمجرد التوقف عن الشرب تظهر أعراض انسحابية مثل ارتجاف اليدين والتعرق وخفقان القلب والأرق، وفي الحالات الشديدة قد تظهر هلوسات أو تشنجات.
هذه الأعراض تجعل المريض أكثر اعتمادًا على الكحول، لأنه يشعر أن الشرب هو السبيل الوحيد "ليشعر بتحسن". لكن في الحقيقة، الكحول لا يؤدي إلا إلى زيادة الضرر على الجهاز العصبي، ومع مرور الوقت، يتفاقم تدهور الذاكرة وضعف الحكم وتقلب المزاج بشكل متزايد. إن تغير قريبي هو خير مثال على ذلك — فقد تحول من شخص قادر على العمل والتواصل الاجتماعي بشكل طبيعي إلى شخص لا يستطيع حتى التعامل مع الأمور اليومية البسيطة، ولا يفكر إلا في الشرب.
عندما تظهر 3 من الأعراض المذكورة أعلاه أو أكثر، يمكن الاشتباه في وجود إدمان كحول. قارنّا حالته في ذلك الوقت فوجدنا أنه يطابق كل الأعراض تقريبًا. ورغم أن أمراض الإدمان صعبة العلاج، إلا أن الطبيب أكد لنا بوضوح أنها قابلة للعلاج.
من الخمر عالي التركيز إلى الخمر منخفض التركيز، وتقليل عدد المرات تدريجيًا، والتخلص من العادة شيئًا فشيئًا
الخطوة الأولى في العلاج كانت جعله يدرك حاجته إلى التغيير. لكن إجباره على الإقلاع الفوري كان مستحيلًا، لأن جسده ونفسه أصبحا معتمدين على الكحول. نصحنا الطبيب بالتحول من الخمر عالي التركيز إلى الخمر منخفض التركيز، وتقليل عدد مرات الشرب تدريجيًا، والتخلص من عادة الشرب بالتدريج، وتقليل الاعتماد.
في الوقت نفسه، كان لا بد من تعديل النظام الغذائي. الاعتماد على الأطعمة الخفيفة، والابتعاد عن الأطعمة المقلية والمشوية ذات النكهات القوية مثل الشواء. لأن هذه الأطعمة عادة ما تكون مصحوبة بالمشروبات الكحولية لتكون لذيذة، ومجرد رؤية هذه الأطعمة المرتبطة بالشرب قد يثير الرغبة في تناول الخمر. بدأنا في الطهي بتقليل التوابل قدر الإمكان، والإكثار من الخضروات والحساء، لنساعده على التكيف تدريجيًا مع تناول الطعام دون شرب.
لم تكن هذه العملية سهلة. كان يغضب أحيانًا ويقول: "حتى الأكل لم يعد له طعم"، لكننا واصلنا الوقوف بجانبه دون لوم أو تذمر، فقط نستبدل زجاجة الخمر بصمت بكوب ماء أو شاي. الدعم العائلي مهم جدًا، لأن المريض نفسه يعاني في صراعه، وهو بحاجة إلى أن يعرف أن هناك من يقف إلى جانبه.
الاكتشاف المبكر والدعم العائلي هما الخطوة المهمة للخروج من الأزمة
بالنظر إلى الوراء، لو أننا انتبهنا في البداية إلى زيادة وتيرة شربه وتقلباته المزاجية، لما وصلت الحالة إلى هذا الحد من الخطورة. لكن الندم لا ينفع، المهم أن نبدأ بالتحرك الآن. إدمان الكحول يسبب الكثير من المعاناة للمدمن نفسه ولأسرته، لكنه قابل للعلاج.
في ما بعد اصطحبناه إلى الطبيب، وحصل على تقييم وإرشادات متخصصة. ورغم أن الطريق كان مليئًا بالانتكاسات، إلا أنه على الأقل لم يعد يشرب من الصباح إلى المساء، وأصبحت حالته المزاجية أكثر استقرارًا. بدأ الجو العائلي يهدأ تدريجيًا، وأصبحنا قادرين أخيرًا على الجلوس معًا لتناول وجبة هادئة دون خوف من انفجاره المفاجئ.
هنا أود أن أقول لأفراد العائلات الذين يمرون بتجربة مماثلة: لا تشعروا بالخجل، ولا تستسلموا. الشرب المعتدل مع ضبط النفس أمر جيد، لكن الإفراط في الشرب قد يؤدي في النهاية إلى الإصابة بإدمان الكحول. إذا لاحظتم أن أحد أفراد العائلة تغيرت شخصيته بشكل كبير، أو أصبح لا يستطيع الاستغناء عن الخمر، أو يعاني من أعراض انسحابية مزعجة عند التوقف، فاطلبوا المساعدة في أقرب وقت. حماية صحتكم والاعتناء بعائلاتكم أهم من أي شيء آخر.
إذا أردتم معرفة المزيد عن طرق الاكتشاف المبكر لإدمان الكحول والدعم العائلي، يمكنكم الاطلاع على هذه المحتويات: استبيان التقييم الذاتي ودليل دعم العائلات.
إدمان الكحول قابل للعلاج، والاكتشاف المبكر والدعم العائلي هما المفتاح.