
هذه سردية لتجربة شخصية خضعت لإزالة الهوية وفحص المخاطر وتنقيح لغوي؛ ولا يحتفظ النص بأي معلومات تحدد هوية الكاتب الأصلي أو منطقته أو تفاصيل قابلة للتعرف عليها.
الأصعب هو عدم معرفة متى ستحدث المرة القادمة
عشت معه لسنوات طويلة. في البداية، كان الشرب مجرد وسيلة للترفيه في لقاءات الأصدقاء، ثم تحول تدريجياً إلى عادة يومية لا بد منها كل مساء. نصحته، تشاجرت معه، وكسرت زجاجات الخمر. كان يعدني في كل مرة "سأتوقف عن الشرب ابتداءً من الغد"، لكنه كان يعود إلى عادته في اليوم التالي. أكثر ما حطمني لم يكن الشرب بحد ذاته، بل القلق الدائم من عدم معرفة متى ستحدث الانفجار القادم — حتى أنني بدأت أخاف من العودة إلى المنزل بعد العمل، لأنني لا أعرف ما الذي سأراه عند فتح الباب.
فيما بعد أدركت أن هذه الوعود المتكررة والإخفاقات لم تستنزف إرادته فحسب، بل استنزفت الثقة بيننا أيضاً. دخلنا في حلقة مفرغة: يشرب، ألومه، يعتذر، ثم يشرب مرة أخرى. استمرت هذه الحلقة لفترة طويلة، حتى أدركنا أن الاعتماد على هدف "الإقلاع عن الشرب" وحده لن ينجح أبداً.
اكتشفنا أن وراء الشرب "أسباباً" كثيرة
بمساعدة مختصين، بدأنا نستخدم طريقة تسمى "التحليل الوظيفي" لتفكيك سلوكه في الشرب. هذه الطريقة بسيطة، وتقوم على تقسيم كل مرة شرب إلى مكوناتها: المثيرات الخارجية (مثل دعوة الأصدقاء للشرب، أو الإرهاق بعد العمل)، والمثيرات الداخلية (مثل القلق، أو الملل)، والسلوك الإشكالي (الشرب)، والآثار الإيجابية قصيرة المدى (الاسترخاء، نسيان الهموم مؤقتاً)، والآثار السلبية طويلة المدى (تدهور الصحة، النزاعات الأسرية).
عندما كتبت هذه الأمور، أدركت لأول مرة أن شربه لم يكن بسبب "عدم النضج" أو "عدم الرغبة في التغيير"، بل لأن الشرب كان يمنحه وسيلة لتخفيف الضغط على المدى القصير. ورغم أن هذه الوسيلة مكلفة جداً، إلا أنه بدون بدائل أخرى، كان من الصعب عليه الإقلاع فجأة. هذا الاكتشاف جعلني أتوقف عن الغضب فقط، وبدأت أفكر: إذا لم يشرب، ما الذي يمكنه فعله ليحل محل ذلك الشعور بالاسترخاء؟
أخذ عينات من اليقظة: أهداف صغيرة تبدأ من 7 أيام
في المفاهيم التقليدية، الإقلاع عن الشرب يعني "التوقف الكامل دفعة واحدة". لكن المختصين أخبرونا أن هذا المطلب شبه مستحيل التحقيق لكثير من الناس، لأنه يعني أن يترك الشخص فجأة أكبر مصدر للمتعة في حياته دون تقديم أي بديل. أوصوا بطريقة تسمى "أخذ عينات من اليقظة" — وهي لا تتطلب الامتناع عن الشرب إلى الأبد، بل تحديد هدف قصير المدى وقابل للتحقيق، مثل عدم الشرب لمدة 7 أيام.
جربنا المرة الأولى. بعد انتهاء الأيام السبعة، نجح في تحقيق الهدف. ورغم أن العملية كانت صعبة، إلا أن شعور "لقد فعلتها" كان أكثر فعالية من أي لوم. بعد ذلك قمنا بتمديد المدة تدريجياً إلى 14 يوماً، ثم شهر. إذا واجهنا فترة ضغط عمل كبير، كنا نقصر المدة بأنفسنا. هذه الطريقة المرنة جعلت الإقلاع عن الشرب ليس رهاناً إما نجاح أو فشل، بل عملية قابلة للتعديل والتفاوض.
خلال هذه العملية، تعلمت أيضاً كيف أدعمه. على سبيل المثال، عندما يكمل فترة يقظة، أقول له: "أعلم أن هذا ليس سهلاً، لقد نجحت، وأنا سعيدة جداً من أجلك." بدلاً من قول "هذه مجرد أيام قليلة، لا داعي للفخر". هذا النوع من التغذية الراجعة الإيجابية يجعله أكثر إصراراً من النقد.
ماذا يمكننا أن نفعل معاً بعيداً عن الشرب
اكتشاف فاجأني كثيراً: عندما توقف عن الشرب، لم يكن يعرف ماذا يفعل بوقت فراغه. خلال السنوات الماضية، كانت علاقاته الاجتماعية وترفيهه وحتى طرق استرخائه تدور حول الخمر. بمجرد أن يبتعد عن الخمر، شعر وكأنه فقد إطار حياته، وأصبح يشعر بالفراغ والملل.
لذلك بدأنا نبحث معاً عن أنشطة بديلة. في البداية كانت بسيطة، مثل المشي معاً، الطبخ، مشاهدة فيلم. لاحقاً جربنا أشياء كان مهتماً بها سابقاً لكن لم يكن لديه وقت لها، مثل زراعة الزهور والاستماع إلى الموسيقى. هذه الأمور ليست معقدة بحد ذاتها، لكن المهم أنها جعلته يدرك أن الحياة اليقظة يمكن أن تكون ممتعة أيضاً، وليست مجرد "تحمل".
هذه العملية غيرت علاقتنا أيضاً. في السابق، كانت أحاديثنا تدور حول "هل شربت؟" و"متى تشرب؟" وكانت مليئة بالتوتر والدفاع. الآن، لدينا مواضيع وأنشطة مشتركة أكثر، وتواصلنا تحول تدريجياً من اللوم إلى المشاركة.
العلاقات الحميمة تحتاج أيضاً إلى "تدريب"
طلب منا المختصون أيضاً تعبئة "مقياس مؤشر السعادة"، لتقييم رضانا في 10 مجالات مثل الأعمال المنزلية، تربية الأطفال، التواصل الاجتماعي، التواصل، إدارة المال. بعد تعبئة الاستبيان، فوجئنا باكتشاف أن عدم رضا الطرفين يتركز في نفس النقطة: أسلوب التواصل. هو يشعر أنه يتعرض للنقد دائماً، وأنا أشعر أنه لا يبادر بالتواصل أبداً.
ثم بدأنا نتعلم كيفية التعبير عن احتياجاتنا بطريقة داعمة. على سبيل المثال، كنت أقول سابقاً "ألا يمكنك التوقف عن مشاهدة التلفاز طوال الوقت"، والآن أقول "أتمنى أن نخرج معاً لمشاهدة فيلم مساء كل جمعة". هذا التغيير يبدو صغيراً، لكن تأثيره كبير جداً. لأن الأول يبدو اتهاماً، بينما الثاني دعوة محددة وقابلة للتنفيذ. هو يتقبله بسهولة أكبر، ويكون أكثر استعداداً للتعاون.
تدريب مهارات التواصل يشمل أيضاً كيفية تسمية مشاعرنا، وكيفية تقديم تصريحات تفهمية، وكيفية قبول جزء من المسؤولية. هذه الأمور تبدو نظرية، لكن عند تطبيقها فعلياً، قللت من خلافاتنا وزادت من تفهمنا.
الخيارات التي تبدو غير ذات صلة غالباً ما تكون الأخطر
في مجال الوقاية من الانتكاس، تعلمنا مفهوماً أساسياً هو "الخيارات التي تبدو غير ذات صلة". على سبيل المثال، قال مرة إنه مرّ بمنزل صديق لمجرد الدردشة، لكنه في النهاية شرب عدة زجاجات من البيرة. ظاهرياً، لا علاقة مباشرة بين زيارة صديق والشرب، لكن هذا الخيار كان بالضبط الشرارة التي أدت إلى الانتكاس.
بدأنا معاً في إعداد قائمة بالسلوكيات التي تبدو غير ذات صلة لكنها قد تؤدي فعلياً إلى الشرب: مثل السير في الطريق الذي يمر بجانب الحانة بعد العمل، أو موعد عشاء مع صديق يشجع دائماً على الشرب، أو البقاء وحيداً في حالة مزاجية سيئة. التعرف المبكر على هذه "الخيارات الخطرة" يمكننا من تعديلها قبل حدوثها. على سبيل المثال، تغيير الطريق إلى المنزل بعد العمل، أو دعوة الأصدقاء إلى مقهى بدلاً من مطعم.
هذه العملية جعلتني أدرك أن الإقلاع عن الشرب ليس معركة فردية. كأحد أفراد الأسرة، لا أحتاج فقط إلى فهم صعوباته، بل أيضاً إلى المشاركة في جهود الوقاية من الانتكاس. نحن فريق، ولسنا خصوم.
الآن، ما زلنا نمضي قدماً خطوة بخطوة. لا معجزات، ولا حلول دائمة، لكن على الأقل لم نعد محاصرين في الحلقة القديمة. إذا كنت تمر بتجربة مماثلة، ربما يمكنك محاولة تجاوز هدف "الإقلاع عن الشرب" الوحيد، والتفكير في أي أجزاء أخرى من الحياة يمكن إعادة بنائها معاً. التغيير ممكن، لكنه يحتاج إلى وقت وصبر.
الإقلاع عن الشرب ليس معركة فردية، بل عملية إعادة تعلم الأسرة بأكملها للتعايش.