
«الكمية المعتدلة» المُفسَّرة خطأً: مقولة متوارثة منذ زمن طويل
«تناول الكحول باعتدال مفيد للصحة» — هذه العبارة كادت أن تصبح من البديهيات اليومية. يستخدمها كثيرون لتبرير عادة شرب كأس من النبيذ يومياً، بل ويعتقد البعض أن الكحول بكميات قليلة ينشط الدورة الدموية، ويساعد على النوم، ويحمي القلب. لكن عندما نعود إلى أصل هذه المقولة، نجد أنها مستمدة في الغالب من تفسيرات مجتزأة لدراسات رصدية، وليست نتيجة استنتاج سببي صارم. وقد أعادت دراسة العبء العالمي للأمراض التي نشرتها مجلة «ذا لانسيت» عام 2022 هذه القضية إلى الواجهة: بالنسبة لمعظم البالغين، فإن الفوائد الصحية الناتجة عن شرب الكحول بكميات قليلة قد لا تكفي إطلاقاً لتعويض مخاطره المحتملة.
الكحول والسرطان: ماذا يعني تصنيفه كمادة مسرطنة من الدرجة الأولى
لطالما صنّفت الوكالة الدولية لبحوث السرطان (IARC) التابعة لمنظمة الصحة العالمية الكحول ضمن المواد المسرطنة من الدرجة الأولى. وهذا التصنيف ليس اعتباطياً — فهو يعني وجود أدلة كافية على أن الكحول يمكن أن يسبب السرطان في جسم الإنسان. وعلى وجه التحديد، عندما يدخل الكحول (الإيثانول) إلى الجسم، يتم استقلابه إلى أسيتالدهيد، وهذا الأخير قادر على إتلاف الحمض النووي (DNA) مباشرة، وتعطيل إصلاح الخلايا، مما يزيد من احتمالية التحول السرطاني. ومن أنواع السرطان المرتبطة بوضوح بتناول الكحول: سرطان الفم، وسرطان البلعوم، وسرطان الحنجرة، وسرطان المريء، وسرطان الكبد، وسرطان القولون والمستقيم، وسرطان الثدي لدى النساء. والنقطة الجوهرية هي أن هذا الخطر لا يتطلب تناول كميات كبيرة من الكحول ليظهر. فقد أظهرت الدراسات أنه حتى مع الجرعات المنخفضة، كمعدل كأس واحد يومياً، يظهر ارتفاع ملحوظ إحصائياً في خطر الإصابة بسرطان الثدي. بعبارة أخرى، لا توجد «كمية آمنة» مؤكدة علمياً، والصفر هو الخيار الأقل خطراً.
الحماية القلبية الوعائية: فائدة محدودة وقابلة للتعويض بسهولة
تأثير تناول الكحول بكميات قليلة على الجهاز القلبي الوعائي هو الأساس الرئيسي لمقولة «فوائد الكحول المعتدل». فقد وجدت بعض الدراسات ارتباطاً بين تناول جرعات منخفضة من الكحول وانخفاض طفيف في خطر الإصابة بأمراض القلب الإقفارية والسكتة الدماغية الإقفارية، خاصة لدى كبار السن ومتوسطي العمر. لكن هذه الحماية لها عدة شروط مهمة: أولاً، تظهر بشكل أساسي في أمراض القلب الإقفارية، بينما بالنسبة للسكتة الدماغية النزفية، وأمراض القلب الناتجة عن ارتفاع ضغط الدم، والرجفان الأذيني، فإن الكحول حتى بكميات قليلة قد يزيد من الخطر. ثانياً، يمكن بسهولة أن تتأثر هذه العلاقة بعوامل أخرى — فعلى سبيل المثال، غالباً ما يتمتع الأشخاص الذين يشربون كميات قليلة بنمط حياة أكثر صحة بشكل عام، وحالة اجتماعية واقتصادية أفضل، وقد تكون هذه هي المتغيرات الفعلية المؤثرة. ثالثاً، والأهم: هذه الفائدة القلبية الوعائية الصغيرة، على المستوى الفردي، يمكن بسهولة أن تتعادل مع مخاطر السرطان، وتلف الكبد، وخطر الاعتماد الناتجة عن الكحول. لذلك، لا توصي أي إرشادات طبية موثوقة الأشخاص الذين لا يشربون الكحول ببدء الشرب من أجل «حماية القلب».
لا توجد كمية شرب «خالية من المخاطر»: فهم العلاقة بين الجرعة والضرر
الضرر الذي يسببه الكحول للجسم يتبع تقريباً علاقة الجرعة-الاستجابة: كلما زاد الشرب، زاد الخطر. لكن هذا لا يعني أن الشرب القليل آمن تماماً. خذ الكبد كمثال، فحتى الشرب الاجتماعي قد يؤدي لدى بعض الأشخاص إلى الإصابة بالكبد الدهني أو تفاقم تلف الكبد الموجود مسبقاً. وبالنسبة لضغط الدم، بعد شرب كمية قليلة قد يحدث تمدد في الأوعية الدموية وانخفاض طفيف في ضغط الدم على المدى القصير، لكن على المدى الطويل، يرتبط الشرب المنتظم ارتباطاً واضحاً بارتفاع ضغط الدم وزيادة معدلات الإصابة به. والأكثر استحقاقاً للاهتمام هو أن تأثير الكحول على الدماغ ليس له عتبة أيضاً — فمنذ أول رشفة، قد تتأثر الوظائف الإدراكية، وبنية النوم، وتنظيم المزاج. لذلك، عند مناقشة «هل الشرب بكميات قليلة ضار؟»، فإن التعبير الأكثر دقة هو: ضرر الشرب بكميات قليلة أقل من ضرر الشرب بكميات كبيرة، لكنه ليس معدوماً.
إذا كنت تفكر في تقليل الشرب
بالنسبة للأشخاص الذين لديهم حالياً عادة شرب الكحول، فإن الامتناع التام هو الطريقة الأكثر مباشرة لتقليل المخاطر الصحية. لكن «الصفر المطلق» لا يجب أن يتحقق دفعة واحدة، فالتقليل التدريجي غالباً ما يكون أسهل في الاستمرار. يمكن البدء بتسجيل كمية الشرب اليومية، ثم تحديد هدف لتقليل 10% إلى 20% أسبوعياً. واستبدال جزء من المشروبات الكحولية بمشروبات خالية من الكحول، وتجنب الشرب على معدة فارغة، وإطالة الفترات الفاصلة بين المشروبات، كل هذه التفاصيل يمكن أن تساعد في تقليل إجمالي الاستهلاك. إذا وجدت صعوبة في التحكم بكمية الشرب، أو ظهرت عليك أعراض مثل خفقان القلب، ورعشة اليدين، والتعرق، والأرق عند عدم الشرب، فقد يشير ذلك إلى أن الجسم قد طور اعتماداً على الكحول، وفي هذه الحالة يكون طلب التقييم المهني أكثر أماناً. التوقف المفاجئ تماماً عن الشرب قد يشكل خطراً على بعض الأشخاص ذوي الاعتماد الشديد، ويجب أن يتم تحت إشراف الطبيب.
لمزيد من المعلومات حول التعرف على الاعتماد على الكحول والتعامل معه، يمكنك الاطلاع على آليات تكوّن اضطراب استخدام الكحول. وإذا كنت قلقاً بشأن نمط شربك، يمكنك أولاً إجراء تقييم مبدئي عبر استبيان تقييم مخاطر الشرب. وعند الحاجة إلى مساعدة متخصصة، فإن معرفة كيفية بدء العلاج المنظم سيجعل العملية برمتها أكثر وضوحاً واتجاهاً.